أبو حامد الغزالي

9

تهافت الفلاسفة

موجب ، ومجوّز ذلك مكابر لضرورة العقل . قلنا : وما الفصل بينكم وبين خصومكم ، إذا قالوا لكم : إنا بالضرورة نعلم إحالة قول من يقول : إن ذاتا واحدة عالمة بجميع الكليات من غير أن يوجب ذلك كثرة ، ومن غير أن يكون العلم زيادة على الذات ، ومن غير أن يتعدد العلم مع تعدد المعلوم ، وهذا مذهبكم في حق اللّه ، وهو بالنسبة إلينا وإلى علومنا في غاية الإحالة ، ولكن تقولون : لا يقاس العلم القديم بالحادث . وطائفة منكم استشعروا إحالة هذا فقالوا : إن اللّه لا يعلم إلا نفسه ، فهو العاقل ، وهو العقل ، وهو المعقول ؛ والكل واحد . فلو قال قائل : اتحاد العاقل ، والعقل ، والمعقول ، معلوم الاستحالة بالضرورة ؛ إذ تقدير صانع للعالم لا يعلم صنعته ، محال بالضرورة ، والقديم إذا لم يعلم إلا نفسه - تعالى عن قولكم ، وعن قول جميع الزائغين علوا كبيرا - لم يكن يعلم صنعته البتة . بل لا نتجاوز إلزامات هذه المسألة فنقول : بم تنكرون على خصومكم إذا قالوا : قدم العالم محال ؛ لأنه يؤدى إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ، ولا حصر لآحادها ، مع أن لها سدسا ، وربعا ، ونصفا ؛ فإن فلك الشمس يدور في سنة ، وفلك زحل في ثلاثين سنة ؛ فتكون أدوار زحل ثلث عشر أدوار الشمس . وأدوار المشترى نصف سدس أدوار الشمس ؛ فإنه يدور في اثنتي عشرة سنة . ثم كما أنه لا نهاية لأعداد دورات زحل ، كذلك لا نهاية لأعداد دورات الشمس مع أنه ثلث عشره ، بل لا نهاية لأدوار فلك الكواكب الذي يدور في ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة ، كما لا نهاية للحركة المشرقية التي للشمس في اليوم والليلة مرة . فإن قال قائل : هذا مما يعلم استحالته ضرورة . فبماذا تنفصلون عن قوله ؟ بل لو قال قائل : أعداد هذه الدورات شفع أو وتر ؟ أو شفع ووتر جميعا ؟ أو لا شفع ولا وتر ؟ فإن قلتم شفع ووتر جميعا ، أو لا شفع ولا وتر ، فيعلم بطلانه ضرورة ، وإن قلتم : شفع ، فالشفع يصير وترا بواحد ، فكيف أعوز ما لا نهاية